محمد جمال الدين القاسمي
220
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الشبهات وحكم الفطرة والشرعة والعقل المؤيد بنور الوحي عليها فنقدها نقد الصيارف ، فنفى زغلها ، وعلم أن الصحيح منها : إمّا أن يكون قد تولت النصوص بيانه ، وإمّا أن يكون فيها غنية عنه ، بما هو خير منه ، وأقرب طريقا ، وأسهل تناولا لا يستفيد المؤمن البصير ، بما جاء به الرسول العارف به ، من المتكلمين سوى مناقضة بعضهم بعضا ، ومعارضته وإبداء بعضهم عوار بعض ومحاربة بعضهم بعضا ، فيتولى بعضهم محاربة بعض ، ويسلم ما جاء به الرسول . فإذا رأى المؤمن العالم الناصح لله ولرسوله أحدهم قد تعدى إلى ما جاء به الرسول ، يناقضه أو يعارضه . فليعلم أنهم لا طريق لهم إلى ذلك أبدا ، ولا يقع ردّهم إلّا على آراء أمثالهم وأشباههم . وأمّا ما جاء به الرسول فمحفوظ محروس مصون من تطرّق المعارضة والمناقضة إليه . فإن وجدت شيئا من ذلك في كلامهم ، فبدار بدار إلى إبداء فضائحهم ، وكشف تلبيسهم ومحالهم وتناقضهم وتبيّن كذبهم على العقل والوحي فإنهم لا يردون شيئا مما جاء به الرسول إلّا بزخرف من القول يغترّ به ضعيف العقل والإيمان . فاكشفه ولا تهنه تجده كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ [ النور : 39 ] . ولولا أن كلّ مسائل القوم وشبههم ، التي خالفوا فيها النصوص ، بهذه المثابة لذكرنا من أمثلة ذلك ما تقرّ به عيون أهل الإيمان السائرين إلى اللّه على طريق الرسول وأصحابه . وإن وفّق الله سبحانه جرّدنا لذلك كتابا مفردا . وقد كفانا شيخ الإسلام ابن تيميّة هذا المقصد في عامة كتبه ، لا سيما كتابه الذي وسمه ببيان « موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح » ، فمزّق فيه شملهم كلّ ممزّق ، وكشف أسرارهم ، وهتك أستارهم ، فجزاه الله عن الإسلام وأهله من أفضل الجزاء . واعلم أنه لا ترد شبهة صحيحة على ما جاء به الرسول ، بل الشبهة التي توردها أهل البدع والضلال على أهل السنة لا تخلو من قسمين : إمّا أن يكون القول الذي أوردت عليه ليس من أقوال الرسول ، بل يكون نسبته إليه غلطا ، وهذا لا يكون متفقا عليه بين أهل السنة أبدا . بل يكون قد قاله بعضهم ، وغلط فيه ، فإنّ العصمة إنما هي لمجموع الأمة ، لا لطائفة معينة منها . وإما أن يكون القول الذي أوردت عليه قولا صحيحا ، لكن لا ترد تلك الشبهة عليه ، وحينئذ فلا بد لها من أحد أمرين : إما أن تكون لازمة ، وإما أن لا تكون لازمة ، فإن كانت لازمة لما جاء به الرسول ، فهي حق لا شبهة ، إذ لازم الحق حق ، ولا ينبغي